شهدت السنوات الثلاث الماضية نموًا متسارعًا في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، خاصة بعد إطلاق "شات جي بي تي" الذي أحدث نقلة ضخمة في طريقة تفاعل البشر مع التكنولوجيا. فمنذ ظهوره لأول مرة، أصبح محور الحديث في عالم التقنية، وحقق انتشارًا غير مسبوق جعله يحتل موقع الصدارة دون منافس حقيقي.
لكن في عام 2025، بدأت الصورة تتغيّر تدريجيًا. ظهر منافسون جدد، وتراجعت الهيمنة شبه المطلقة، وبرز "جيميني" — روبوت الدردشة المطوّر من غوغل — كمنافس حقيقي هو الأقوى حتى الآن، وقادر على زحزحة شات جي بي تي من عرشه.
هذا المقال يقدم تحليلًا تفصيليًا لمشهد المنافسة، ويشرح كيف تغيرت خريطة الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال الأشهر الماضية، وما الذي يجعل جيميني اليوم أخطر تهديد لشات جي بي تي.
أولًا: كيف صعد شات جي بي تي إلى القمة؟
منذ إطلاقه، قدّم شات جي بي تي تجربة جديدة بالكامل. ولأول مرة، يستطيع المستخدم التحدث مع نموذج لغوي بهذه القدرة على الفهم، الإبداع، التحليل، وتحويل المعلومات إلى محتوى جاهز للاستخدام.
في عامه الأول فقط:
- حصد أكثر من 100 مليون مستخدم
- أصبح الموقع الأسرع نموًا عالميًا
- سيطر على سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي بنسبة تفوق 80%
- اعتمدته الشركات في الكتابة، البرمجة، تحليل البيانات، وحتى التعليم
هذه الهيمنة جعلت الجميع يعتقد أن التفوق المستقبلي سيكون لأوبن أيه آي وحدها، خاصة مع إطلاق نماذج أكثر تطورًا مثل GPT-4 وGPT-4o.
لكن خلف الكواليس، كانت غوغل تعمل بصمت على مشروعها المنافس: جيميني.
ثانيًا: إطلاق جيميني… بداية المنافسة الفعلية
عندما أعلنت غوغل عن جيميني لأول مرة، لم يكن كثيرون يتوقعون أنه سيشكل تهديدًا حقيقيًا لشات جي بي تي.
فالاختلاف في الجودة كان واضحًا، وعدد المستخدمين كان قليلًا جدًا.
لكن غوغل لم تركّز على المنافسة المباشرة في البداية، بل اعتمدت استراتيجية أذكى:
1. دمج جيميني داخل منتجات غوغل الأساسية
وهذا شمل:
- البحث
- البريد Gmail
- مستندات Google Docs
- يوتيوب
- خرائط Google Maps
- نظام أندرويد بالكامل
هذه الخطوة وحدها جعلت ملايين المستخدمين يختبرون جيميني دون الحاجة للذهاب إلى موقعه.
2. إطلاق تحديثات سريعة ومتتالية
غوغل أضافت قدرات جديدة بشكل مستمر، منها:
- تحسين الفهم السياقي
- زيادة دقة الأجوبة
- دعم ملفات الوسائط المتعددة
- تعزيز مهارات التحليل والتفسير
- توسيع قدرات الترجمة والبرمجة
3. تقليل حاجز الدخول للمستخدم
بما أن معظم أجهزة أندرويد أصبحت تعتمد على جيميني بشكل افتراضي، أصبح الوصول إليه أسهل بكثير من استخدام شات جي بي تي.
ومع مرور الوقت، بدأت نتائج هذه التحركات تظهر بوضوح في الأرقام.
ثالثًا: تغيّر حصة السوق… من يربح ومن يخسر؟
قبل عام كامل، كانت الصورة تبدو ثابتة:
- 86.6% لشات جي بي تي
- 5.6% لجيميني
- والبقية لمنافسين صغار
لكن خلال الأشهر التالية، حدثت مفاجآت كبيرة.
ظهور "ديب سيك" وأثره المؤقت
في أواخر 2024 ظهر روبوت الدردشة الصيني "ديب سيك"، واستطاع في فترة قصيرة أن يحقق نسبة 6.1% من حركة المرور، متفوقًا على جيميني لأول مرة.
لكن هذا النجاح لم يستمر، إذ تراجعت حصته بعد بضعة أشهر إلى أقل من 4%.
صعود سريع لجيميني
في الوقت نفسه، كان جيميني يزداد قوة، وحصل على نسب نمو متتالية:
- 8.6% قبل ثلاثة أشهر
- 12.9% بعدها بشهرين
- 13.7% في آخر تحديث حالي
وفي المقابل تراجعت حصة شات جي بي تي إلى 72.3%.
رغم أن النسبة ما تزال كبيرة، فإنّ التراجع المستمر دليل على تغيّر واضح في سلوك المستخدمين.
رابعًا: لماذا جيميني هو المنافس الأقوى الآن؟
قد يسأل البعض: ما الذي يجعل جيميني أكثر خطورة من منافسين سابقين؟
الإجابة تعتمد على عدة عوامل متداخلة:
1. قوة غوغل في البيانات
غوغل تمتلك كمًا هائلًا من البيانات العالمية عبر خدماتها المتنوعة.
هذه البيانات تُستخدم لتحسين دقة جيميني بشكل كبير، خاصة في تحليل النصوص والبحث والتوصيات.
2. التكامل العميق مع الأجهزة
بينما يعتمد شات جي بي تي على زيارة الموقع أو التطبيق،
فإن جيميني مدمج مباشرة داخل نظام أندرويد الذي يستخدمه مليارات الأشخاص.
3. دعم متعدد الوسائط
جيميني قادر على:
- فهم الصور
- تحليل الفيديو
- كتابة النصوص
- البرمجة
- الترجمة
- تحليل البيانات
- إنشاء ملفات تلقائية
4. تطوير مستمر بلا توقف
غوغل تُصدر تحديثات أسرع من أوبن أيه آي من حيث الوتيرة، وهذا يساهم في تحسين النموذج باستمرار.
خامسًا: هل يستطيع جيميني تجاوز شات جي بي تي؟
هذا هو السؤال الذي يشغل العالم الآن.
الإجابة ليست بسيطة، لكن المؤشرات الحالية تقول إن:
- شات جي بي تي لا يزال الأقوى، والأكثر استخدامًا عالميًا
- لكنه لم يعد منفردًا في القمة
- وجيميني اليوم هو المنافس الوحيد الذي استطاع تخطي حاجز 10% من حصة السوق
ومع استمرار غوغل في دمج جيميني داخل كل منتجاتها، فإن نسبة النمو قد تستمر بالارتفاع.
هل يمكن أن يتفوّق جيميني بالكامل؟
احتمال وارد، لكنه يعتمد على عدة عوامل:
- تحسين قدرات جيميني اللغوية
- توفير مزايا أكثر للمستخدم العادي
- دعم لغات جديدة
- زيادة الاعتماد على جيميني داخل المستقبل الرقمي لغوغل
سادسًا: ماذا تعني هذه المنافسة للمستخدم العادي؟
صعود جيميني وتراجع هيمنة شات جي بي تي يعني أن المستخدم يحصل على:
1. تجارب أكثر تنوعًا
وجود منافسين أقوياء يعني تحسينات أكبر وتطوير أسرع.
2. خدمات أكثر تطورًا
كل شركة تحاول تقديم أفضل إمكانات ممكنة لمنافسة الأخرى.
3. انخفاض محتمل في أسعار الاشتراكات
المنافسة قد تضغط على الشركات لتقديم خطط أرخص أو مزايا مجانية.
4. ذكاء اصطناعي أفضل في الهواتف
دمج جيميني في أجهزة الأندرويد سيمنح المستخدم ميزات ذكية جاهزة دون تحميل تطبيقات خارجية.
سابعًا: إلى أين تتجه المنافسة في 2026؟
التحليلات تشير إلى أنّ:
- جيميني سيستمر في الارتفاع
- شات جي بي تي ما يزال يملك القوة الأكبر
- السوق لن يعود كما كان في 2023 أو 2024
- وربما نشهد دخول لاعبين جدد مثل نماذج صينية أو أوروبية
ما هو مؤكد أن المنافسة ستصبح أشد، وأن الذكاء الاصطناعي سيغيّر شكل الإنترنت خلال السنوات القادمة.
خلاصة المقال
جيميني لم يعد مجرد منافس ثانوي، بل أصبح المنافس الأول الذي استطاع تهديد هيمنة شات جي بي تي بشكل فعلي.
وبينما لا يزال شات جي بي تي في الصدارة، فإن الاتجاه الحالي يُظهر بوضوح أن ساحة الذكاء الاصطناعي التوليدي تتغير بسرعة.
المستقبل مفتوح، والمنافسة تحمل الكثير من المفاجآت — وقد تكون 2025 البداية فقط.
🔹 الأسئلة الشائعة (FAQ)
❓ هل جيميني أفضل من شات جي بي تي في 2025؟
ليس بالضرورة، لكن جيميني أصبح أقرب منافس حقيقي لشات جي بي تي، ونجح في زيادة حصته من السوق بشكل كبير خلال الأشهر الماضية. ما زال GPT متقدمًا، لكن الفجوة تضيق.
❓ لماذا ارتفعت شعبية جيميني بشكل مفاجئ؟
لأن غوغل دمجته بشكل عميق في خدماتها الأساسية مثل بحث غوغل، جيميل، مستندات Google، إضافة إلى ملايين أجهزة أندرويد التي تعتمد عليه كافتراضي، ما جعل الوصول إليه أسهل وأسرع.
❓ هل يمكن أن يتفوق جيميني على شات جي بي تي في المستقبل؟
الاحتمال قائم. استمرار نمو جيميني قد يجعله يتفوق خلال 2026 إذا استمرت وتيرة التطوير الحالية، خاصة مع دعم البيانات الهائلة المتوفرة لدى غوغل.
❓ ما سبب تراجع حصة شات جي بي تي في 2025؟
التراجع يعود إلى ظهور منافسين جدد، وخصوصًا نمو جيميني، إضافة إلى تغيّر سلوك المستخدمين ودمج الذكاء الاصطناعي داخل الأجهزة مباشرة بدل استخدام مواقع منفصلة.
❓ هل “ديب سيك” الصيني ما يزال منافسًا؟
ظهر بقوة أواخر 2024، لكنه سرعان ما فقد زخمه وتراجعت حصته بشكل كبير. المنافس الحقيقي الآن هو جيميني فقط.
❓ كيف تؤثر المنافسة بين جيميني وشات جي بي تي على المستخدم؟
تحسن سريع في جودة النماذج، مميزات جديدة باستمرار، احتمالية انخفاض الأسعار، وتجارب أكثر ذكاءً داخل الهواتف والخدمات اليومية.
❓ ما المتوقع لمستقبل الذكاء الاصطناعي في 2026؟
المنافسة ستزداد، وقد تظهر نماذج جديدة من الصين وأوروبا. ومن المرجح أن يواصل جيميني الارتفاع، بينما يعمل شات جي بي تي على تطوير نماذج أقوى للحفاظ على الصدارة.
